فخر الدين الرازي
132
تفسير الرازي
إلى النطفة ، واعلم أن القول الأول أصح ، ويشهد له قوله : * ( يوم تبلى السرائر ) * أي أنه قادر على بعثه يوم القيامة ، ثم إنه سبحانه لما أقام الدليل على صحة القول بالبعث والقيامة ، وصف حاله في ذلك اليوم فقال : * ( يَوْمَ تُبْلَى السَّرَآئِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : * ( يوم ) * منصوب برجعه ومن جعل الضمير في رجعه للماء وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بقوله : * ( فما له من قوة ) * أي ماله من قوة ذلك اليوم . المسألة الثانية : * ( تبلى ) * أي تختبر ، والسرائر ما أسر في القلوب من العقائد والنيات ، وما أخفى من الأعمال ، وفي كيفية الابتلاء والاختبار ههنا أقوال : الأول : ما ذكره القفال معنى الاختبار ههنا أن أعمال الإنسان يوم القيامة تعرض عليه وينظر أيضاً في الصحيفة التي كتبت الملائكة فيها تفاصيل أعمالهم ليعلم أن المذكور هل هو مطابق للمكتوب ، ولما كانت المحاسبة يوم القيامة واقعة على هذا الوجه جاز أن يسمى هذا المعنى ابتلاء ، وهذه التسمية غير بعيدة لعباده لأنها ابتلاء وامتحان ، وإن كان عالماً بتفاصيل ما عملوه وما لم يعملوه . والوجه الثاني : أن الأفعال إنما يستحق عليها الثواب والعقاب لوجوهها ، فرب فعل يكون ظاهره حسناً وباطنه قبيحاً ، وربما كان بالعكس . فاختبارها ما يعتبر بين تلك الوجوه المتعارضة من المعارضة والترجيح ، حتى يظهر أن الوجه الراجح ما هو ، والمرجوح ما هو . الثالث : قال أبو مسلم : بلوت يقع على إظهار الشيء ويقع على امتحانه كقوله : * ( ونبلوا أخباركم ) * وقوله : * ( ولنبلونكم ) * ثم قال المفسرون : * ( السرائر ) * التي تكون بين الله وبين العبد تختبر يوم القيامة حتى يظهر خبرها من سرها ومؤديها من مضيعها ، وهذا معنى قول ابن عمر رضي الله عنهما : يبدي الله يوم القيامة كل سر منها ، فيكون زيناً في الوجوه وشيناً في الوجوه ، يعني من أداها كان وجهه مشرقاً ومن ضيعها كان وجهه أغبر . المسألة الثالثة : دلت الآية على أنه لا قوة للعبد ذلك اليوم ، لأن قوة الإنسان إما أن تكون له لذاته أو مستفادة من غيره ، فالأول منفي بقوله تعالى : * ( فما له من قوة ) * والثاني منفي بقوله : * ( ولا ناصر ) * والمعنى ماله من قوة يدفع بها عن نفسه ما حل من العذاب * ( ولا ناصر ) * ينصره في دفعه ولا شك أنه زجر وتحذير ، ومعنى دخول من في قوله : * ( من قوة ) * على وجه النفي لقليل ذلك وكثيره ، كأنه قيل : ماله من شيء من القوة ولا أحد من الأنصار . المسألة الرابعة : يمكن أن يتمسك بهذه الآية في نفي الشفاعة ، كقوله تعالى : * ( واتقوا يوماً لا تجزى نفس عن نفس شيئاً ) * ( البقرة : 48 ) إلى قوله : * ( ولا هم ينصرون ) * ، الجواب : ما تقدم .